الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

18

مختصر الامثل

الآيات السابقة عاقبة ما قاله المشركين من عقاب دنيوي وأخروي ، ومادي ومعنوي مضاعف : « لّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِى هذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ » . وقد أطلق الجزاء بال « حسنة » كما أطلقوا القول « خيراً » ، ليشمل كل أنواع الحسنات والنعم في الحياة الدنيا ، بالإضافة إلى : « وَلَدَارُ الْأَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ » . ثم تصف الآية التالية - بشكل عام - محل المتقين في الآخرة بالقول : « جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ » . وقلنا أنّ الآيات مورد البحث توضّح كيفية حياة وموت المتقين مقارنة مع ما ورد في الآيات السابقة حول المشركين والمستكبرين ، وقد مرّ علينا هناك أنّ الملائكة عندما تقبض أرواحهم يكون موتهم بداية لمرحلة جديدة من العذاب والمشقة ، ثم يقال لهم : « ادخلوا أبواب جهنم . . . » . وأمّا عن المتقين : « الَّذِينَ تَتَوَفهُمُ الْمَلِكَةُ طَيّبِينَ » طاهرين من كل تلوّثات الشرك والظلم والاستكبار ، ومخلصين من كل ذنب : « يَقُولُونَ سَلمٌ عَلَيْكُمُ » . السلام الذي هو رمز الأمن والنجاة . ثم يقال لهم : « ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ » . والتعبير عن موتهم ب « تَتَوَفهُم » يحمل بين طيّاته اللطف ، ويشير إلى أنّ الموت لا يعني الفناء والعدم أو نهاية كل شيء ، بل هو مرحلة انتقالية إلى عالم آخر . وفي تفسير الميزان : أنّ في هذه الآية ثلاثة مسائل : 1 - طهارة المؤمنين من خبث الظلم . 2 - يقولون لهم : « سَلمٌ عَلَيْكُمُ » وهو تأمين قولي لهم . 3 - « ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ » وهو هداية لهم إليها . وهذه المواهب الثلاث هي التي ذكرت في الآية ( 82 ) من سورة الأنعام : « الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ » .